شكل الدولة الجديدة التي ينتظرها اليمنيون ضمن مخرجات الحوار الوطني بدأت تفصح عن نفسها في الرؤى التي قدمتها القوى السياسية التي مال أكثرها إلى خيار الدولة الاتحادية الفيدرالية والتي تأتي كضرورة سياسية للتعاطي مع الاحتقان الحاصل في الجنوب، غير أن هذا المشروع وإن كان بنظر البعض سيحمل مفاتيح الحل لأكثر الأزمات السياسية اليمنية فإنه يواجه بعقبات من قوى سياسية تناهض هذا الخيار .
ميل أكثر الأطراف السياسيين لخيار الدولة الاتحادية فرضته على ما يبدو التجربة اليمنية للحكم في ظل التعددية السياسية التي أقرها اليمنيون إطاراً سياسياً لدولة الوحدة واستمرت لزهاء 23 سنة، شهدت خلالها اليمن عواصف كبيرة طالما هددت الوحدة الوطنية، وهي ذاتها التي انتجت الوعي السياسي الذي تعبر عنه أطراف العملية السياسية بالحاجة إلى نظام سياسي قادر على الصمود أمام الهزات .
الأطراف السياسية لا تكاد تختلف على عناوين سياسية ساخنة كانت ولاتزال المعضلة الرئيسية في معادلة الحكم التي عرقلت بناء الدولة منذ إعلان دولة الوحدة بين شطري اليمن عام ،1990 بل ويرى البعض أنها أدخلت اليمن في النفق المظلم .
الأولى تتمثل في شكل الدولة بما يتصل بها من إصلاحات للنظام السياسي، وآليات المشاركة السياسية والنظام الانتخابي الأمثل وآليات تنفيذه التي كانت لسنوات طويلة موضع تجاذبات بين النظام السابق والقوى السياسية ومثلت موضع إجماع في المطالب الشعبية التي عبرت عنها أكثر المكونات الثورية التي قادت زمام التغيير السلمي في ثورة فبراير 2011 .
ورغم أن هذه القضايا واجهت خلال العقود الماضية مقاومة شرسة من النظام السابق فإنها اليوم تطرح بشفافية على طاولة الحوار الوطني الجاري بمشاركة أكثر أطراف العملية السياسية وتحظى برعاية إقليمية ودولية وأممية .
وهؤلاء يناقشون علناً وللمرة الأولى في تاريخ اليمن، المبادئ والأسس الدستورية لبناء الدولة، وهويتها ونظام الحكم فيها، فضلاً عن النظام الانتخابي ومحددات السلطة التشريعية والقضائية والنظام الإداري، واتجاهات وأسس الدستور الجديد، بالاستعانة بخبرات دولية للتعرف بشكل أكثر تفصيلاً إلى هذه الأنظمة وتقاطعاتها وتجاربها، ولاسيما في هيكل الدولة وأسس ومبادئ ومفاهيم تداول السلطة، والمحاور ذات الصلة ببناء الدولة وهياكل وأنظمة الحكم، فضلاً عن التعرف إلى نماذج الأنظمة الفيدرالية المطبقة في دول العالم والأسس الملائمة لبناء الدولة وقواعد ومحددات صياغة الدساتير الحديثة . فماذا عن المتفق والمختلف حوله بين القوى السياسية في شأن بناء الدولة وما الشكل الذي يريده اليمنيون ليمن ما بعد الثورة؟
رؤية الدولة الاتحادية
الحزب الاشتراكي اليمني وهو من أكبر الأحزاب اليسارية في اليمن وأقدمها من حيث التجربة السياسية، فاجأ كثيرين عندما قدم رؤية متكاملة لبناء الدولة إلى مؤتمر الحوار الوطني بدت اشبه بدستور كامل لامس كثيراً المشكلات التي يواجهها اليمن في الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية . وعلى أن هذه الرؤية ظلت طي الكتمان خلال الشهور الماضية، فإن محتواها خرج إلى العلن اخيراً بتبني الحزب مشروع الانتقال إلى الدولة الاتحادية الفيدرالية ودعوته إلى تدابير تشريعية ومؤسسية خلال مدة أقصاها خمس سنوات من تاريخ الاستفتاء على الدستور الجديد لتحقيق ذلك .
استناداً إلى التباينات في الرؤى بشأن عدد الأقاليم تركت رؤية “الاشتراكي” هذه الجزئية مفتوحة لتحديدها ضمن مخرجات الحوار الوطني، لكنها بدت جادة كثيراً في المضي بهذا الطريق بعدما اقترحت إصدار قانون بعدد الأقاليم تخضع للاستفتاء الشعبي قبل نفاذها، على أن تمنح الأقاليم الأعضاء صلاحيات كاملة لممارسة السيادة على أراضيها ومياهها الإقليمية وتدير جميع الشؤون التي لا تختص بها هيئات الدولة المركزية .
بين أهم ما احتوته رؤية الاشتراكي لبناء الدولة اقتراحه أربعة أركان لهيئات الدولة العليا المركزية، تبدأ بالمجلس المجلس الأعلى للدولة المؤلف من ممثلي الأقاليم، ثم المجلس الوطني (مجلسي النواب والشورى)، ثم رئيس الجمهورية والحكومة، على أن تمارس هيئات الدولة المركزية بمقتضى الدستور السيادة على جميع الأراضي والمياه الإقليمية الواقعة داخل حدود الجمهورية اليمنية وشغل الوظائف في الأجهزة والمؤسسات المركزية من موظفين ينتمون إلى سائر الأقاليم .
النظام الانتخابي بدا طموحاً كثيراً في رؤية الاشتراكي، إذ أفصح الحزب عن اختياره نظام القائمة النسبية، لانتخاب أعضاء المجالس النيابية والمحلية بانتخابات عامة سرية، حرة ومباشرة، وكذلك الانتخاب الحر والمباشر للهيئات والقيادات اللامركزية في الأقاليم بما يحفز على المشاركة الشعبية في الحياة السياسية .
رؤية شاملة
كثيرون أقروا بأن رؤية الاشتراكي لامست كثيراً من المشكلات السياسية والاقتصادية في اليمن واستوعبت المحددات السياسية لبنية النظام السياسي والاقتصادي والعلاقات بين اليمن والخارج والنظام الاقتصادي، وأكثر من ذلك أنها وضعت حلولاً جذرية لمعضلات التجارب السياسية التي عرفها اليمن منذ إعلان دولة الوحدة .
في عرضه لمكونات الرؤية تحدث القيادي في الحزب الإشتراكي حسن شكري عن الأسس العامة لبناء للدولة تتشابه كثيراً مع المبادئ والأسس المنصوص عليها في الدستور اليمني النافذ، وتضمنت كذلك مبادئ الفصل بين السلطات، وقائمة المحظورات في المناصب القيادية التي تحظر على سائر المسؤولين الجمع بين أكثر من سلطة، والحظر على رئيس الجمهورية تولي مهام الهيئات التي لها سلطة على أعضاء السلطة التشريعية أو القضائية أو السلطة المحلية أو الانتماء إلى عضوية الهيئة التشريعية أو رئاسة هيئة حكومية أياً كانت مهامها أو تبعيتها له أو لمؤسسة الرئاسة .
محددات بناء الدولة الجديدة في الرؤية التي قدمها الاشتراكي أكدت أن نظام الحكم في الجمهورية اليمنية جمهوري ديمقراطي برلماني يقوم على أساس اللامركزية واعتماد مبادئ التعددية السياسية والحزبية لضمان تداول السلطة سلمياً، على أن ينظم القانون آليات تكوين الأحزاب وممارسة النشاط السياسي وعدم تسخير الوظيفة العامة أو المال العام لمصلحة حزب معين .
حرية التعبير والعمل السياسي
أسس هوية الدولة الجديدة في رؤية التنظيم الوحدوي الناصري لم تختلف عن المبادئ والأسس المنصوص عليها في الدستور ولم يقترح الحزب نموذجاً لشكل الدولة الجديدة، وركز رؤيته في جزئيات يطغى عليها الجانب الحقوقي مثل الدعوة إلى حرية تكوين الأحزاب، من دون الحاجة إلى ترخيص من أية جهة إدارية، وعدم السماح بأنشاء أي حزب على أساس عرقي أو طائفي أو مذهبي أو جهوي، أو أن يكون له تشكيل عسكري أو شبه عسكري .
رؤية الناصري شددت على مبدأ المحاسبة لمن يتولى الوظيفة العامة بدءاً بمنصب رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة، وحتى أدنى السلم الوظيفي، وحظر أي حصانة من المساءلة لأي منهم، وحيادية أجهزة الدولة المدنية والعسكرية والأمنية وكفالة حق المواطنين في التعبير عن آرائهم وخياراتهم السياسية، وفي التعبير عن رغبتهم في التغيير السلمي للسلطة .
وتوافقت رؤية الناصري مع الاشتراكي في حظر أي تغيير للنظام السياسي بالعنف والقوة المسلحة، وعدم جواز الدعوة لتحقيق الأهداف السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية أو الثقافية بالعنف والقوة المسلحة، واعتبار ذلك من الأعمال التي تضع فاعلها تحت طائلة المسؤولية الجنائية .
بناء الدولة رؤية إسلامية
حزب التجمع اليمني للإصلاح وهو من أكبر الأحزاب الإسلامية في اليمن والمرشحة لدور سياسي كبير في المرحلة القادمة، قدم رؤية غير بعيدة عن الأسس والمبادئ التي تحدثت عنها القوى السياسية الأخرى، إذ شدد على الهوية الإسلامية للدولة واعتماد الشريعة الإسلامية مصدراً لتشريعاتها معتبراً أن ذلك لا يتعارض مع تأسيس دولة مدنية ديمقراطية عادلة ورشيدة، لأن الدولة الإسلامية - من خلال واقعها التاريخي والفقهي - لم تكن إلا دولة مدنية، ولا تمت بصلة للدولة الدينية الكهنوتية حسبما قد يظن البعض بحسن نية أو بسوء نية .
ولم يقدم حزب الإصلاح الإسلامي رؤيته لشكل الدولة الجديدة، ورأى أن العبرة ليست في المسميات والمصطلحات، بل في النصوص الدستورية والقانونية التي سيتوافق عليها الجميع، ما يدعو إلى توافق الجميع على المضامين ما داموا سيؤسسون لنظام سياسي يمتلك فيه المواطن حق انتخاب حكامه، من طريق صندوق الاقتراع الحر والنزيه، ويمتلك حق مراقبتهم ومحاسبتهم، وحق سحب الثقة منهم .
حزب الإصلاح أكد كذلك أن ثمة حاجة إلى توافق من سائر الأطياف الاجتماعية والسياسية في اليمن على عدم المساس بالمواد الثلاث الأولى للدستور اليمني الحالي التي تؤكد هوية اليمن العربية الإسلامية لأنه لا مصلحة لأي طرف في المساس بهذه الثوابت، ونصها كما يلي:
(1) الجمهورية اليمنية دولة عربية إسلامية مستقلة ذات سيادة، وهي وحدة لا تتجزأ ولا يجوز التنازل عن أي جزء منها، والشعب اليمني جزء من الأمة العربية والإسلامية .
(2) الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية .
(3) الشريعة الإسلامية مصدر جميع التشريعات .