
حفل افتتاح المؤتمر
اختتمت صباح أمس الاحد أعمال المؤتمر الاقليمي للعدالة الانتقالية والذي نظمته على مدى يومين وزارة الشئون القانونية بالتعاون مع برنامج الامم المتحدة والمفوضية السامية لحقوق الانسان .
وفي البيان الختامي الذي صدر عن المؤتمر دعا المشاركون إلى ضرورة الإسراع في استكمال اجراءات اصدار مشروع قانون العدالة الانتقالية في اليمن، لمساعدته على الانتقال الى مرحلة جديدة من الاستقرار وطي صفحة الماضي مشيرين الى أهمية ما خرج به مؤتمر الحوار الوطني من مقررات وتوصيات متعلقة بالعدالة الانتقالية واعتبارها نصوص توافقية ملزمة ينبغي التقيد بها وعدم التراجع عنها.
منوهين الى ضرورة التلازم بين الارادة المجتمعية والإرادة السياسية لتحقيق العدالة الانتقالية ومجمعين في هذا الصدد على حاجة المجتمعات العربية الى عدالة انتقالية تمكنها من الانتقال الى مستقبل جديد والخروج من أوضاعها الحالية والبعد عن أثار الماضي ومعالجة أثار انتهاكات حقوق الانسان، وأهمية أن يكون هناك تحالف عربي وشبكة مجتمعية للضغط ومناصرة تطبيق العدالة الانتقالية في الوطن العربي.
كما أوصى المشاركون في بيانهم على تلازم عملية استرداد الاموال المنهوبة وعملية تنفيذ العدالة الانتقالية، وضرورة توفير الحماية للمبلغين والشهود، مطالبين في ذات الوقت القيادة السياسية وحكومة الوفاق الوطني بالإسراع في اصدار قرار بتسمية أعضاء لجنة التحقيق في انتهاكات حقوق الانسان عام 2011م.
وأهاب المشاركين بحكومة الوفاق متابعة البرلمان لاستكمال اجراءات المصادقة على اتفاقية الحماية من الاختفاء القسري والانضمام الى نظام روما لمحكمة الجنايات الدولية، مؤكدين على ضرورة تمكين ضحايا الانتهاكات من أن يصبحوا مشاركين فاعلين في تنفيذ العدالة الانتقالية.. شددوا في ذات الوقت على دور منظمات المجتمع المدني للدفع والمناصرة للقانون والرقابة على أعمال هيئة العدالة الانتقالية.
وكان قد القى رئيس مجلس الوزراء الأخ محمد سالم باسندوة كلمة في حفل تدشين المؤتمر الاقليمي للعدالة الانتقالية أكد فيها أن الغاية النهائية من مشروع قانون العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية هو استكمال المصالحة السياسية بمصالحة مجتمعية هدفها إرضاء المجتمع وحمله على القبول بالمصالحة عن طريق إنصاف الضحايا أو أهاليهم، والمجتمع بمختلف فئاته وأطيافه السياسية والاجتماعية وصولا إلى تحقيق السلم الاجتماعي بإشاعة الاخاء الوطني.
واشار الى ان هذه الفعالية اتت بعد ان حقق وطننا بعضا من المنجزات التي تمثلت في تنفيذ معظم بنود المبادرة الخليجية واليتها التنفيذية المزمنة، وفي انعقاد مؤتمر الحوار الوطني برئاسة فخامة الاخ المشير عبدربه منصور هادي رئيس الجمهورية القائد الاعلى للقوات المسلحة، والذي اسفر عن مخرجات نصت جميعها على وجوب تعزيز التوافق الوطني وحل القضية الجنوبية حلا عادلا ومنصفا، ومعالجة اسباب وتداعيات حروب صعدة، واقرار اسس ومتطلبات التغيير، والتي ينبغي ان تكون هي المرتكزات والمنطلقات لصياغة دستور جديد يضمن بناء دولة يمنية مدنية حديثة، يقوم نظامها السياسي على الديمقراطية الحقة والمساواة في المواطنة والشراكة في السلطة والتوزيع العادل للثروة على اساس مبدأ "من كل حسب قدرته وكل حسب عمله .
واشار باسندوة الى ضرورة البدء باتخاذ خطوات جادة وحثيثة لمنع حدوث اية انتهاكات لحقوق الانسان والمواثيق والقوانين الدولية سواء في الوقت الحاضر و المستقبل من اجل الوصول الى هذا الهدف الاسمى الذي توخته ثورة الشباب الشعبية السلمية التي شهدتها بلادنا،, منوها الى ان ذلك يتطلب العمل اولا على تحقيق العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية لطي صفحة الماضي من ناحية ولكي تعم المحبة ويسود التسامح ربوع مجتمعنا من ناحية اخرى.
وقال " ان مشروع قانون العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية الذي اعدته وزارة الشئون القانونية بقيادة الدكتور محمد المخلافي وبالتعاون مع نخبة من المسؤولين وذوي الاختصاص جاء مستوعبا لمخرجات مؤتمر الحوار الوطني ومبنيا على جملة من الموجهات القانونية التي كان لابد من الاستهداء بها، ومن اهمها تحديد اليات ووسائل تحقيق العدالة الانتقالية التي يمكن تلخيصها في الكشف عن الحقيقة، جبر الضرر، اعادة الاعتبار للضحايا وحفظ الذاكرة، وضمانات عدم التكرار في المستقبل.
وذكر باسندوه ان مشروع القانون حدد الاهداف والغايات المتوخاه من ورائه في المادة 3، الامر الذي يقضي بالكشف عن حقائق الانتهاكات والتجاوزات الماضية التي ارتكبت خلال الفترة المشمولة بنطاق سريانه، ومعالجة الاوضاع والاثار الناجمة عنها في سياق مفهوم العدالة الانتقالية على النحو الذي يؤدي الى انصاف الضحايا ورد الاعتبار لهم.
موضحاً أن الهدف من مشروع القانون هو إجراء مصالحة وطنية شاملة مبنية على أُسس من الاعتراف بارتكاب أخطاء واقتراف انتهاكات وطلب العفو والاعتذار والتسامح والتصالح لطي صفحة الماضي والتطلع نحو المستقبل بروح مجردة من الرغبة في الانتقام والثار، وتعزيز الوحدة الوطنية والسلم الاهلي والتعايش الاجتماعي وبناء دولة القانون وإعادة الثقة بمؤسسات الدولة والقانون الى المواطن، وكذا تعزيز قيم الديمقراطية والحكم الرشيد واحترام حقوق الإنسان وتنمية وإثراء ثقافة وسلوك الحوار والقبول بالرأي الآخر، وإجراء الإصلاح المؤسسي وإعمال مبدأ المساءلة والمحاسبة لضمان وقف استمرار ارتكاب الانتهاكات ومنع تكرار حدوثها مستقبلاً.
وقال رئيس الوزراء: "في سبيل تحرير مجتمعنا من الخوف من الماضي كيلا يبقى اسيرا له حتى يستطيع تجاوز اثاره ومآسيه ونفي سلوكه ورفض واستهجان ما حدث فيه بكشف وتعرية تلك المساوئ امام المجتمع واظهار قبحها، بتوعية الاجيال القادمة بضرورة عدم قبولها ورفض تكرارها، وتحقيق السلام عبر مصالحة وطنية وعادلة ودائمة، بحل فعال يقوم على مقتضيات العدل والصفح معا ذلك لان مقتضيات الصفح لا تتحقق الا من خلال العفو المتبادل غير التمييزي، واهم مقتضيات العدل معرفة الحقيقة ورد الاعتبار للفرد والمجتمع ومنع تكرار الانتهاكات الجسيمة في المستقبل" مؤكدا ان تحقيق الوقاية من اثار الحصانة لا يتم الا عبر الاقرار بالحق في معرفة الحقيقة والحق في جبر الضرر والحق في حفظ الذاكرة الجماعية وحق الفرد والمجتمع بالحماية من تكرار مآسي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الانسان".
وأكد ان مشكلة العدالة الانتقالية ليست في مشروع القانون ومضامينه بقدر ماهي في السياق الزمني الذي صيغ فيه القانون..
وقال "لم يات مشروع القانون في ظروف تحول حقيقي بل في ظروف سياسية اعاقت التغيير الكامل والتحول الديمقراطي المنشود واخضعته الى تسوية تطيل من امد التحول وتهدر الكثير من الجهود باستمرار احتفاظ الذين اقترفوا تلك الانتهاكات او ساهموا فيها طوال الفترة السابقة بالنفوذ والسلطة".
من جانب اخر اكد وزير الشؤون القانونية الدكتور محمد المخلافي ان مشروع قانون العدالة الانتقالية قد بني على ثلاث مرتكزات اساسية هي الصفح، العدل، و السلام، بحيث لايوجد تعارض بين العفو و العدل و لايؤدي العفو الى تهديد السلام .
و اشار الى انه يجري الان الاعداد لآليات تحقيق العدالة الانتقالية و جوهر ذلك يكمن في تحقيق التزاوج بين التسامح و العدل و ان اختلفت الوسائل و الاساليب وان اليمن اليوم على موعد مع تاريخ جديد ولحظة تاريخية سانحة للتغيير و مغادرة ماضي الحروب و الانقسام و الضعف للانتقال من الصراع الى السلام و من الثأرات الى التسامح و من النظام التسلطي الى النظام الديمقراطي، واستجابة عملية لاهداف الثورة الشبابية الشعبية من اجل التغيير واقامة الدولة المدنية الحديثة و تحقيق التحول الديمقراطي و كفالة حقوق الانسان و العدالة الاجتماعية و استعادة الكرامة .
ونوه الدكتور المخلافي الى ان وسائل تحقيق هذه الاهداف ينبغي ان تمثل قطعا مع الماضي و في مقدمة ذلك القطع مع ثقافة الثأر و الانتقام و توفير شروط السلم الاجتماعي و المصالحة الوطنية ..مؤكدا ان تلك هي وسائل و آليات المصالحة السياسية و المصالحة الاجتماعية اذ تتم المصالحة الاولى عبر حوار وطني شامل و المصالحة الثانية عبر آليات العدالة الانتقالية المكرس لها هذا المؤتمر الاقليمي .
ولفت الى ان اليمن يمر حاليا في المرحلة الثانية للفترة الانتقالية و قد انجز اهم مكوناتها المتمثل في عقد مؤتمر الحوار الوطني الذي حقق التوافق الوطني لحل القضية الجنوبية و ازالة اسباب حروب صعدة.. مشيراً الى أن مؤتمر الحوار الوطني وقف امام القضية الهامة المتمثلة في العدالة الانتقالية و وضع محددات قانونها و حسم المسائل الخلافية المتعلقة بتسميته و النطاق الزمني لسريانه و اقرار أسس التغيير كأسس لعقد اجتماعي جديد و التي سوف تكون أسس لدستور جديد و لإحداث تغيير في هيكله الدولة و النظام السياسي من اجل بناء نظام ديمقراطي كامل .
واوضح المخلافي ان مشروع قانون العدالة الانتقالية و المصالحة الوطنية في اليمن يهدف الى تحقيق السلام عبر العدالة الانتقالية كآلية تطبيقية تحقق بالنتيجة المصالحة الوطنية العادلة و الدائمة والتي تمثل آلية لحل فعال يقوم على مقتضيات العدل والصفح معا.. لافتاً الى ان مقتضيات الصفح تتحقق من خلال العفو المتبادل غير التمييزي وأهم مقتضيات العدل معرفة الحقيقة وتحقيق العدل بالمساءلة عبر الاعتراف والاعتذار والعقاب في حالة عدم الانصياع أو تكرار الانتهاكات وعن طريق جبر الضرر بتعويض الفرد والمجتمع و تخليد الذاكرة الوطنية ومنع تكرار الانتهاكات الجسيمة في المستقبل .
وقال: "إن معرفة الحقيقة تمثل أهم عوامل المصالحة بمعرفة الضحية أو ذويه والمجتمع وقائع الانتهاكات ومن ارتكبها لأننا عندما نعفو يجب أن ننسى لأننا لو نسينا لن نعتبر وسيتم تكرار الانتهاكات والحروب".
وأضاف وزير الشئون القانونية: "ما من شك ان لقانون العفو (الحصانة) آثارا ضارة بسبب الافلات من العقاب غير ان قانون العدالة الانتقالية و المصالحة الوطنية سوف يحقق الوقاية من تلك الآثار عبر إقرار الحق في معرفة الحقيقة، الحق في العدل بالمساءلة وجبر الضرر، الحق في حفظ الذاكرة الجماعية، وحق الفرد والمجتمع بالحماية من تكرار مآسي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان .
واشار الى ظهور عقبات عديدة منذ بداية طرح الوزارة لمشروع قانون العدالة الانتقالية حيث جعلت بعض القوى من القانون وكأنه مصدر ازعاج لها فلم يروق لها الكشف عن الحقيقة والاعتراف وكذا الخشية من الاصلاح المؤسسي و كأنه يمثل نهاية لمصالحها .
وقد القيت في المؤتمر الاقليمي للعدالة الانتقالية كلميتن من قبل كل من الممثل المقيم للمفوضية السامية لحقوق الانسان جورج ابو الزلف القاها نيابة عن المبعوث الخاص للامين العام للامم المتحدة جمال بن عمر وكذا المفوضية السامية لحقوق الانسان وبرنامج الامم المتحدة الانمائي وسفيرة الاتحاد الاوروبي القتها السيدة بيتينا، حيث اكدت الكلمتين بان القانون الدولي يلزم الدول ويحثها على اتخاذ تدابير ملائمة في حدود نظمها القانونية الداخلية للتحقيق و محاكمة ومعاقبة مرتكبي انتهاكات الماضي واشارت الكلمات الى انه كما في كل البلاد الهشة الاخرى يواجه اليمن العديد من التحديات اذ لم يلمس ان هنالك التزام سياسي واضح للمساءلة كما ان نظام العدالة يفتقر الى الاستقلالية او القدرة على التحقيق و مقاضاة افعال الانتهاكات الجسيمة لحقوق الانسان .
واشاروا الى ان التجربة اثبتت ان الدول التي قررت محاكمة مرتكبي الجرائم الكبرى هي في المتوسط اكثر استقرارا من تلك التي لم تفعل ذلك وان السلام والعدالة يسيران جنبا الى جنب، وبدون عدالة ستستمر انتهاكات حقوق الانسان ولا يمكن ان يتحقق السلام والأمن و ستبقى التنمية المستدامة ضربا من الوهم و الافلات من العقاب يشجع الجناة فقط و يولد انتهاكات جديدة .
وأكدا حاجة اليمن الى اصلاحات تشريعية و مؤسسية شاملة في مجال سيادة القانون واستعادة المؤسسات العامة اليمنية ثقة المواطنين فيها.
و ثمنوا الجهود الرامية الى تقديم تعويضات للضحايا من خلال لجنتي الاراضي و المفصولين من الوظيفة العامة في الجنوب و التي جمعت فيها اللجنتين عدد كبير من القضايا و الان يجب على الحكومة وضع الموارد و الاجراءات اللازمة لتنفيذ توصيات اللجان .
وأكدوا بان العدالة الانتقالية تهم مفوضية حقوق الانسان و برنامج الامم المتحدة الانمائي و مكتب المستشار الخاص للأمين العام للأمم المتحدة و الاتحاد الاوروبي ولن ندخر اي جهد في توفير المساعدة للسلطات اليمنية في وضع القوانين والتدابير التي تجلب العدالة ودعم السلام طويل الامد و المصالحة في اليمن .
و حثوا جميع الاطراف في الحكومة و البرلمان و المجتمع المدني للعمل معا في حوار لوضع اللمسات الاخيرة لقانون العدالة الانتقالية وتمريره بحيث يسود اليمن الحقيقة و العدالة والمصالحة و السلام .
هذا وقد شارك في أعمال المؤتمر (230) شخصية محلية وعربية, إلى جانب وفود عربية من كل من (مصر، المغرب، السعودية، البحرين، الكويت، العراق، سوريا، فلسطين).
وناقش المؤتمر على مدى يومين عدد من اوراق العمل تشمل مخرجات الحوار الوطني وعلاقتها بالحصانة والعدالة الانتقالية، واستعراض مشروع قانون العدالة الانتقالية، والعدالة الانتقالية والتحديات الراهنة في الواقع اليمني، العدالة الانتقالية والتحول الديمقراطي وسيادة القانون، هيئة العدالة الانتقالية والاصلاحات المواكبة والتجارب الدولية، منها تجارب "المغرب، تونس، وجنوب افريقيا"، اضافة الى دور المجتمع المدني من منظور النوع الاجتماعي في العدالة الانتقالية، وتجربة المشاورات الوطنية في اقرار قانون العدالة الانتقالية و دور منظمات المجتمع المدني.
وتناولت عدد من أوراق العمل مخرجات الحوار الوطني وعلاقتها بالحصانة و العدالة الانتقالية، والعدالة الانتقالية و التحديات الراهنة في الواقع اليمني، والعدالة الانتقالية والتحول الديمقراطي وسيادة القانون، وهيئة العدالة الانتقالية والاصلاحات المواكبة ودور منظمات المجتمع المدني في العدالة الانتقالية فضلا عن استعراض مشروع قانون العدالة الانتقالية.
كما جرى خلال المؤتمر استعراض تجارب العدالة الانتقالية في كل من المغرب وتونس وجنوب افريقيا .