المهمشون ومخرجات الحوار.. الخروج من ثقافة المحوى

صورة أرشيفية

نصت مخرجات مؤتمر الحوار الوطني “الحقوق والحريات” على تكفل الدولة وضع الخطط وتبني سياسات وطنية عادلة تكفل حق المهمشين في الحصول على السكن اللائق والخدمات الأساسية.. ويعد التعليم أحد مضامين الخدمات الأساسية التي ينبغي توفرها لضمان إدماج المهمشين في المجتمع وكما يكفل مشاركتهم الفاعلة في البناء حول التعليم وإلزاميته فيما يخص المهشمين كان هذا الاستطلاع.. تختلف أسباب مشكلة التعليم بالنسبة لفئة المهمشين من منطقة إلى أخرى، ففي الريف يتعلم الجميع ويحظون بفرص متساوية ولا توجد مشاعر سلبية أو تحيزات ضد أبناء هذه الفئة.

هذا ما تؤكده الناشطة مسك سعيد التي تمارس الآن دوراً قيادياً في إطار منظمات المجتمع المدني المعنية بتنمية وإبراز قضايا المهمشين والتي ترى وجود فرق بين واقع الفئة في مناطق ريفية كمنطقة الشمايتن بمحافظة تعز وبين الواقع التعيس الذي يسهم في إنتاجهم المهمشون ذاتهم في تجمعاتهم في مدينة تعز وتضيف: في مديرية الشمايتن تعلمت وكذا أخي الأكبر وعدد آخر منهم اليوم “19” معلماً في مدارس الحكومة ولم نواجه أي عائق، وكانت الرغبة وتشجيع الأهل والاحتكاك الإيجابي في المدرسة يعزز الرغبة في مزيد من النجاح واكتساب القدرة على أن نكون كما نريد، أما عندما أزور تجمعات المهمشين في تعز كعصيفرة أو كلابة وحتى مدينة الأمل السكنية أبكي من هول ما أراه من عزلة واستمرار الصورة المشهورة المرتبطة بأبناء فئة المهمشين من انعدام النظافة الشخصية والسلوكيات اللفظية السيئة واعتماد الأسرة على الأطفال كمصدر للدخل من التسول وما إلى ذلك من انحرافات.

انتظار ثمار مخرجات الحوار

وتزيد : ولأن الأهم في الأمر هو مسئولية الدولة فمن الواجب بناء شراكة حقيقة بينها وبين منظمات المجتمع المدني الهادفة إلى تغيير حياة المهمشين وإذا كانت لا توجد إحصائيات دقيقة ومعلومات كافية لدى أجهزة الدولة عن هذه الفئة وقضاياها وما يخص التعليم والتأهيل، فمن الظلم أن يستمر الحال وهناك من المتعلمين المهمشين من يعيش حالة ثورية وإذا لم يأت الحوار الوطني بخير لكل مهمش فلنا أن نخشى من حالة الكبت النفسي الطويلة ومن ثورة قادمة، ونحن في “جمعية كفاية” نقوم بتوعية الناس بحقوقهم ونقول نحن ننتظر ثمار مخرجات الحوار مالم فعلى المهمشين أن يسعوا للحصول على حقوقهم وخاصة أن وجودهم في محافظتي تعز وإب كبير والثقافة التقليدية المتخلفة تراجعت وأن الأوان أن تتلاشى ثقافة الانعزال والتخلف لأن الأسرة المتخلفة لن تذهب بأبنائها إلى المدرسة بل إلى الشارع للتسول، وستبقى تتحجج بالفقر مع أن كثيرين نجحوا وتعلموا وهم فقراء، فالثروة في الطموح والإيجابية في استغلال الإمكانيات المتاحة للاستفادة من التعليم ولابد من حوافز وتشريعات تجعل من التعليم إلزامياً مع متابعة تنفيذ العقوبات لمن تخلف.

ولو أن منظمات المجتمع المدني سعت لنشر الوعي بضرورة تعليم أبناء المهمشين وإدماجهم في المجتمع والدفاع عن حقوقهم لتحقق الكثير فقط لو أنها ومعها وزارة حقوق الإنسان اهتمت بمعاناة المرأة والفتاة المهمشة سيكون الوضع مبشراً بقادم أفضل.. قد لا نستطيع في الأجل القصير تغيير ثقافة ذات جذور تاريخية بسهولة لكن الدولة حينما تفرض إرادتها باسم الشعب ويسود القانون على الجميع ستحل كل مشاكل الناس على اختلاف فئاتهم وعندما سيصل الاهتمام بالتعليم إلى مستوى أهمية الحياة ذاتها في دولة المواطنة المتساوية ولنحب اليمن وكل اليمنيين دون استثناء وبلا عقد.

مهمشون يمارسون التهميش

من جانبها الناشطة الحقوقية سميرة سالم قائد ـ رئيسة جمعية عمار الأرض للتنمية تؤكد أن جهود منظمات المجتمع المدني التي يترأسها أشخاص من المهمشين لا يظهر لها أثر لأن “شخصيات من هذه الفئة هم ذاتهم يمارسون التهميش ضد بعضهم ويهمشون المهمشين، وتؤكد أنا كمحامية وقانونية أعي ما أقول ولدي صور ووثائق تعزز الخلفية التي ننطلق منها، فالبعض بمجرد ما يصبح رئيس منظمة لا يلتفت إلى المهمشين ويعمل على مضايقة أقرانه، ونحن في جمعية عمار الأرض نسعى لتحقيق أهداف تخدم كل مواطن وليس فقط المهمشين تأكيداً على أن جميع الفئات هم أبناء وطن واحد ونعمل في اتجاه تنموي حقوقي وديمقراطي، هدفنا المساواة في الحقوق والواجبات وسيادة القانون على الجميع، وتتبنى الجمعية برامج تخدم المهمشين في جانب التوعية بأهمية التعليم كضرورة لتحقيق اندماجهم في المجتمع على أساس أن التغيير يبدأ بحصول المهمش على فرصة التعليم واجتياز مراحله، وهذا يتطلب من منظمات المهمشين ممارسة الضغوط وإبراز قضايا هذه الفئة من أجل تلبية حاجاتهم بدلاً من شن الحرب على من يحاول الدخول معهم وتفعيل نشاط المنظمات، ومن خلال صحيفة الجمهورية أقول لكل فرد من فئة المهمشين على قدر أهل العزم تأتي العزائم، أنا منكم حظيت بأب أحب التعليم ووجدت رعاية من أسرة كريمة وها أنا اليوم محامية أمام محاكم الاستئناف وأحضر الماجستير في القانون، فلا تتعذروا بالفقر، واحذروا تحطم الإرادة، علموا أبناءكم بيدكم جزء من الحل وإن كانت كثير من الحلول تبدأ بإخلاص قيادات منظمات المجتمع المدني لفئة المهمشين إذا أرادت العمل من أجل الفقراء.

مضيفة بالقول: فالمشكلة أن هذه الشخصيات لن تخسر لو أنها غلبت قيم الرحمة والتراحم والإخلاص، وسعت إلى استزراع حب العلم في نفوس المهمشين والاعتزاز به، وممارسة ثقافة المواطنة بوعي .. الآن نحن جميعاً نعيش لحظة مكاشفة ولا ينبغي أن نغطي مشاكلنا، لابد من حوار اجتماعي في أوساط المهمشين والمجتمع ككل حول المواطنة والمساواة، ومناقشة العلل والأمراض وتشخيص الداء وتوصيف الدواء والتغلب على الأمراض الاجتماعية والثقافة المتخلفة من الماضي وإدراك معنى مخرجات مؤتمر الحوار الوطني فيما يخص المهمشين وإلزامية التعليم الأساسي.

 فرض إلزامية التعليم

بعض منظمات المهمشين شريكة لغيرها من المنظمات الأخرى حسب رأى سمير المقطري ـ رئيس منظمة “نفوذ” الذي يرى أن فرض إلزامية التعليم إلى جانب التوعية الحقوقية أولوية في المرحلة القادمة لمساعدة هذه الفئة على تغيير واقعها من خلال التعليم والاستفادة من الإمكانيات المتاحة وهو مالم يستغل من قبل رغم أن التعليم كان إلزامياً كنص قانوني لم يطبق، والمطلوب تفعيل النص، لأن الفئة الأشد فقراً وبسبب أمية الآباء والأمهات يسخرون الأطفال إما في العمل مبكراً في النظافة العامة أو البسطات أو التسول في المدن، وبذلك يشكلون مصدر دخل للأسرة وإن قل فهو ما يقلل من أهمية تعليم أبنائهم بل وتغيب عنهم الثقافة العامة في المدينة بينما في الريف حظي العديد منهم بفرص ونجحوا ونافسوا ومنهم معلمون وقانونيون ومثقفون وغيرهم لا سيما في محافظة تعز، ربما لغياب ثقافة التسول هناك.

ويضيف المقطري: ولمواجهة حالة الجمود في هذه الشريحة عملنا على تدريب عدد من الشباب من أبنائها ونزلوا إلى التجمعات السكانية للتوعية في محور حقوق المواطنة، وقمنا مؤخراً بنشر رسوم تختزل مخرجات الحوار الوطني التي تعنيهم كوسيلة توعوية لأن معظمهم أميون، وهذه الرسوم وضعت أمام تجمع سكاني للمهمشين في منطقة كلابة في تعز والغاية أن يفهم هؤلاء أن لهم حقوقاً عليهم السعي للحصول عليها ومنها الحق في التعليم ومحو الأمية ويجب أن يتخلصوا من السلبية النابعة من داخل الإنسان المهمش ذاته أينما كان.

ثلاثة ملايين مهمش

ويقدر محمد علي ـ الأمين العام المساعد لاتحاد المهمشين أن عدد أفراد هذه الفئة ثلاثة ملايين شخص في اليمن، مخالفاً رأى آخرون يقدرون عددهم بـ”800” ألف منتشرون من تجمعات حول المدن وفي الأرياف ومضيفاً بالقول: وقد عمل الاتحاد العام على إيجاد استراتيجية لإدماجهم في المجتمع بعد أن وجد أن هناك عاملاً اجتماعياً غيب دور المهمشين من الناحية التعليمية، ويتوقع البعض منهم تغييراً سيحصل بعد تنفيذ مخرجات الحوار الوطني فيما يخص هذه الفئة بأن يحصلون على 10 % من المناصب في المؤسسات الحكومية متخوفين من الأحزاب السياسية من حيث مدى استعدادها لإنزال مرشحين في الانتخابات القادمة ضمن قوائم انتخابية من أبناء الفئة المهمشة، بل ويتطلعون إلى هيئة خاصة بحقوق المهمشين، وهذه الأفكار والطموحات تصطدم بعدم وجود العدد المناسب من المتعلمين من حيث الكم والنوعية بين الأفراد الأشد فقراً فرد على ذلك ما تورده التقارير ويؤكده مثقفون وناشطون من تعرض تلاميذ مهمشين للإهانة في المدارس أو المضايقات.

مدارس خاصة للمهمشين

ويؤيد ناشطون حقوقيون بضرورة إيجاد مدارس خاصة تقوم الدولة ببنائها لأبناء المهمشين بسبب ضعف تحصيلهم الدراسي في المدارس الأخرى نتيجة شعورهم بالدونية مقابل الآخرين وما يحدث من احتكاك بفعل ثقافة موروثة ومشوهة تحقر من المهمشين والمهمش هو من همش نفسه ولم يساعدها على تجاوز أسوار التهميش، حسب ما يؤكد المحامي والناشط الحقوقي ـ طارق الشرعبي الذي أضاف: هناك مهمشون يذهبون إلى مدارس خاصة لكنهم قلة دخلهم مناسب لأنهم اغتربوا أو اجتهدوا أما في المدارس الحكومية فيشعرون بتدني قدراتهم لأن الأمية أصلاً في أسرهم ويتعثرون، وإن وجدوا دعماً من منظمات بملابس أو أدوات مدرسية أو تغذية وما إلى ذلك من حوافز فيستحسنون ،وهذا يوجب على الدولة التعامل معهم باعتبارهم من ذوي الاحتياجات الخاصة، وتحفيزهم على التعليم وإلزامهم به، فالمهمش وإن كان عامل نظافة يحتاج إلى قدر من التعليم ومعرفة بحقوقه وواجباته والخروج من دائرة الصورة النمطية التي وجد بها، لا سيما وأن هذه الفئة محتاجة للخلاص من العنف الذي يمارسه بعضهم في أسرهم وتجمعاتهم وحمايتهم من العنف اللفظي في المدرسة والشارع كي يندمجوا في المجتمع.

الخروج من ثقافة المحوى

 وأضاف رئيس منظمة كفاح لمنظمة العنف والإرهاب في إقليم الجند: نحن نسعى لتنفيذ برنامج توعوي للمهمشين في هذا الشأن ومساندة جهود المنظمات الحقوقية الخاصة بهم والمطلوب أن تمتد التوعية الحقوقية لتركز على دفعهم نحو التعليم إلى جانب تغيير نظرة المجتمع السلبية حتى يتقبل الأبناء المهمشون في المدرسة والنادي بروح طيبة، والأهم أن يخرج المهمشون من ثقافة المحوى والشعور بالدونية.

أمية بنسب مؤلمة

أما سامي النجارـ الباحث الأكاديمي ورئيس منظمة كل الشباب للمهمشين فتحدث عن الأمية بين الأطفال والشباب المهمشين بمستواها العالي وقال: في تقرير أعددناه حول الحقوق الاجتماعية والاقتصادية خاصة في مجال التعليم وما يلاقيه التلاميذ من هذه الفئة في المدارس العامة من مضايقات وتمييز، وهو إنجاز ذو صبغة أكاديمية تفاعلت معها المنظمات الحقوقية وجدنا أن الأمور لاتسر أحداً، فنسبة الأمية بين النساء المهمشات “99 %” وبين الشباب “ 85 %”، هذا مؤلم وجوده في القرن الواحد والعشرين، واليمن ملتزمة بتنفيذ أهداف الألفية والقضاء على الأمية في 2015م ما بالكم بخصوصية فئة المهمشين وتسرب أطفالهم من التعليم بسبب التهميش الناشئ عن موروث ثقافي لم تستطع التخلص منه حتى من وصلوا إلى مواقع صناعة القرار ولذا انعكس ذلك الموروث في نصوص القانون.

تطبيق سيادة القانون

مضيفاً بالقول: التغيير يأتي من باب تطبيق سيادة القانون، ودعم منظمات المجتمع المدني التي تعنى بقضايا المهمشين والذين تفاءلوا بإشهار اتحادهم العام إلا أن الدولة لم تدعمه بشيء، فكيف سيتحرك الناشطون ويدفعون الناس إلى التعليم قبل أن يلمسوا اهتماماً من الدولة وقبل أن يجدوا حماية القضاء في مواجهة العنف.

مخرجات الحوار

وعن مخرجات الحوار الوطني وأولويات إدماج المهمشين في المجتمع بدءاً بالتعليم قال النجار: وصلنا إلى قناعة أو نكاد بأن الثمان النقاط التي تخص المهمشين في المخرجات غير كافية ولدينا معلومات بأن لجنة صياغة الدستور تريد إلغاء ست منها.

 مضيفاً: المهمشون يحتاجون إلى التعليم وكل حقوق المواطنة المتساوية وإذا لم نع جميعاً أهمية التحول في البلد ونجسد هويتنا الوطنية والإسلامية سيظل البعض يشعر بالتهميش بعد أن وصلوا إلى نقطة بعيدة من الكبت النفسي حتى اقتنعوا بالقول:«نحن أخدام» لأن الآخر تعود، الجد عن أبيه والأب عن جده والابن عن أبيه وصف المهمش بـ«خادم».

تشريع

مؤكداً: الآن لكي يندمج المهمشون في التعليم وفي المجتمع لابد من صدور تشريع يحرم التمييز العنصري ويعاقب عليه مثلما كان في الشطر الجنوبي قبل الوحدة، حيث كان القانون يجرم التمييز العنصري واندمج المهمشون في المجتمع واستفادوا من التعليم والوظيفة العامة ووجدوا في الجيش والأمن وكان منهم طيارون وأصحاب مهن محترمة ومنهم جدي الذي كان قبطان سفينة.

منهج لتعزيز القبول بالآخر

مختتماً بالقول: ومن الضروري أن يتضمن المنهج الدراسي موضوعات وصور تعكس القبول بالآخر والتعايش معه في حوار يعزز هذه الصورة الإيجابية بين مواطن أسود وآخر أبيض، فلا يكفي أن نتغنى بالأسود كعامل نظافة فقط، والإعلام يمكن عمل فلاشات في مختلف وسائل الإعلام الرسمي ضد التمييز العنصري أياً كان شكله لأن من الناس من يمارسه دون وعي بجريمته التي نريد أن يسميها القانون ويحدد عقوبتها.



التعليقات