اليمن ومؤتمر المستقبل

بعد مخاض تحضيري استمر قرابة ثمانية أشهر، احتضنت دار الرئاسة اليمنية بصنعاء ظهيرة يوم الثامن عشر من شهر مارس/ آذار الجاري التظاهرة الاحتفالية لافتتاح مؤتمر الحوار الوطني الشامل .

 

في الطريق إلى هذه المحطة كان قرار الرئيس هادي في السادس من أغسطس/ آب 2012 بتشكيل اللجنة الفنية التحضيرية لمؤتمر الحوار الوطني الشامل التي أدت عملها ما بين هذا التاريخ والسادس من مارس 2013 على نحو متواصل، وحسب ما عرضه رئيسها الدكتور عبدالكريم الإرياني، فإن اللجنة عقدت ما يقارب المئة اجتماع بمعدل ثلاثة اجتماعات أسبوعياً وأحياناً على مدار الأسبوع، بالإضافة إلى اجتماعات اللجان الفرعية .

 

وأبرز ما أنجزته اللجنة تمثل في تقديم الصيغة النهائية للنقاط العشرين حول القضايا المعروضة أمام مؤتمر الحوار، وكان أغلبها يتصل بالقضية الجنوبية، وفي تقريرها الختامي في 22 ديسمبر/ كانون الأول قدمت اللجنة الموضوعات التي أنجزتها بدءاً بلائحتها الداخلية ونتائج اجتماعاتها والخطة الإعلامية وميثاق الشرف الإعلامي ومصفوفة موضوعات المؤتمر والعناصر المقترحة المتفرعة عنها وآليات تناولها أثناء جلسات الحوار وقوام المؤتمر وهيئات وآلية إدارة جلسات فرق العمل وآلية تشكيلها، والنظام الداخلي للمؤتمر والتي على إثرها جرى تشكيل الأمانة العامة لمؤتمر الحوار الوطني الشامل .

 

ومع أن المؤتمر محدد العضوية ب 565 عضواً يمثلون غالبية المصفوفة السياسية والاجتماعية في البلاد، غير أن اللافت أن المؤتمر الذي افتقد إلى مشاركة قيادات سياسية جنوبية بارزة، ومقاطعة فصائل رئيسة للحراك الجنوبي، افتتح أعماله في أجواء صاخبة من الاحتجاجات والتحفظات والانسحابات، وكان من اللافت أن قائمة رئيس الجمهورية لم ترض لا حزبه وحلفاءه ولا المشترك وشركاءه، وقد يكون هذا مناسباً للقول إن الرئيس عبدربه لم يتجنب الإخلال بالتوازن وحسب بل أعلن عملياً عن جديته في إحداث اختراق في الوضع السياسي المتنافر باتجاه التفاهم وهذا ما كان عليه خطابه الذي جمع في آن ما بين التحذير من المخاطر الكارثية وبين المخارج التي توفر لليمن فرص استعادة المستقبل بعد أن أكل الانحدار ليس الأخضر واليابس، فحسب، بل وأحلام وآمال السواد الأعظم من السكان، وفي المقدمة الشباب الذين انتفضوا زلزالياً بهدف إحداث التغيير الشامل .

 

هل ينجح هادي في توجهاته؟ وهل يمضي مؤتمر الحوار الوطني إلى النتائج المرجوة بخروج اليمن من دوامة الضياع القائم والمتفاقم؟

 

المؤتمر ما زال في بداية أعماله، ومن السابق لأوانه تناول مجرياته والذهاب إلى احتمالات وتوقعات نتائجه، لكن هذا لا يمنع القول إن نجاح مؤتمر الحوار الوطني الشامل يتوقف أولاً وقبل أي شيء آخر على تمثل أعضائه مسؤولياتهم في التعاطي مع القضايا المطروحة باتجاه إخراج البلاد من أزماتها الطاحنة لحياة السواد الأعظم من أبنائها، والانفتاح التاريخي وليس السياسي تجاه مستقبل اليمن أرضاً وإنساناً .

 

من هذه الزاوية يمكن التوقف أمام قضيتين:

 

القضية الأولى: تأكيد الرئيس عبدربه بمخاطبته المؤتمرين أن “قضيتكم المحورية والجوهرية التي ستكون المفتاح الأساس لمعالجة سائر القضايا هي القضية الجنوبية التي يجب أن تقفوا أمامها بمسؤولية وإحساس وطني عميق، بعيداً عن العواطف والحلول المطبوخة والجاهزة والتصورات غير المدروسة والضغوط السياسية، وكل أنواع الابتزاز وردود الفعل”، واعتبر أن “التوافق على رؤية عقلانية واقعية وطنية حول القضية الجنوبية تحديداً سيقودنا حتماً لصياغة عقد اجتماعي جديد من خلال دستور يكفل معالجة الاختلالات التي أدت إلى كل المحن التي عشناها والحروب التي خضناها والبؤس الذي فُرض علينا، وسيادة مفاهيم القوة ومعاني الفوضى، وقيم التخلف وأمراض العصبيات الأسرية والقروية والقبلية والمذهبية والمناطقية التي عانينا منها” .

 

هل يحتاج المفسَّر إلى تفسير؟ هذا ما يعني أهمية القضية الجنوبية ولكن ما يعني مؤتمر الحوار الوطني اليمني الشامل بأعضائه أن هذه القضية ليست ابنة لحظة المؤتمر، فقرابة عشرين عاماً مضت على هذه القضية كان الاستخفاف والإنكار والتجاهل هو السائد، فما هي نظرة أعضاء هذا المؤتمر إلى الرافعة التي فرضت هذه القضية بعدالتها وخطورتها وأهميتها وهو الحراك الجنوبي؟

 

إن تمثل المؤتمر لهذه القضية يفترض تشكيل لجنة اتصال تثابر للتواصل مع قيادات الحراك في الداخل والخارج لوضعهم في مجريات المؤتمر وبخاصة في شأن القضية الجنوبية وأن تفتح هذه اللجنة قنوات حيوية لا صنمية وانعزالية، وأن يستفاد من إمكانات القيادات والكوادر في مؤتمر الحوار، وأن يستعان بأشقاء وأصدقاء لا لإيجاد شباك اصطياد أو اللجوء إلى سياسة “الاختراق”، وإنما للتواصل والتفاهم بحرص وطني وروح أخوية صادقة ونبيلة .

 

على أن الموقف العملي للمؤتمر تجاه القضية الجنوبية يبدأ من إدانة جريمة حرب 1994م بمترتباتها الكارثية على أبناء الجنوب بحقوقهم وحياتهم، ويمكن القول إن إعلان المؤتمر هذا الموقف هو مفتاح حل هذه القضية بما تمثله من أهمية .

 

القضية الثانية: أثارها رئيس اللجنة الفنية التحضيرية لمؤتمر الحوار الوطني الدكتور عبدالكريم الإرياني حين خاطب المؤتمرين بقوله: “أنظار الملايين من أبناء الوطن ترنو إليكم والدول الشقيقة والصديقة بل والمجتمع الدولي بأسره يقف معكم مؤيداً ومسانداً ومباركاً لما سيسفر عنه حواركم وتالله إنها لفرصة لم يحظَ بمثلها شعب أو متحاورون من قبلكم” .

 

نعم كان هناك اهتمام إقليمي ودولي غير مسبوق في شأن اليمن، لكن لهذا الاهتمام أهدافه، بداية كانت هناك أطراف إقليمية ودولية رمت بكامل ثقلها لاحتواء الوضع بعد أن هز زلزال الحركة الشبابية الجماهيرية النظام، وعلى هذا أعيد صياغة المبادرة الخليجية التي ركزت على حرص إقليمي ودولي تجنب انهيار اليمن بما سيترتب على هذه المنطقة من زلازل، لكن هذا لم يرتبط بمراعاة حركة التغيير التي انطلقت من الشباب الثائر .

 

ما يمكن أن يشار إليه أن التجارب علمتنا أن استقرار اليمن لن يكون من خلال صراع المصالح الإقليمية والدولية، اليمن بإمكانه لو توقف استغلال ظروفه والتدخل في شؤونه ولقي المساعدة الصادقة أن يوفر للأشقاء والأصدقاء ولعالمنا الدولي بأسره الضمانات الأكيدة للمصالح الحيوية والاستراتيجية في هذه المنطقة .

 

يدرك الكثير من الأشقاء والأصدقاء أن اليمن ما زال واعداً وهو يمتلك ثروات غير هينة، وإذا كان مؤتمر الحوار يبحث في خيارات مستقبل اليمن فإن الأشقاء والأصدقاء مطالبون بالمساعدة على استقراره .

 

اليمن بحاجة إلى تنافس تنموي يساعده على إحداث نقلة في أوضاعه، وهذه الحاجة ملحة يمنياً ومهمة إقليمياً، لأن من شأن هذه العملية أن تحدث تقدماً ملموساً لردم الهوة بين اليمنيين وأشقائهم في هذه المنطقة .



التعليقات