وأخيراً، انطلق مؤتمر الحوار الوطني في اليمن، وهدفه المعلن الوصول إلى حلول لقضايا يعترف الجميع بأنها على درجة كبيرة من الصعوبة والتعقيد تراكمت على مدى خمسين عاماً . وجاء انعقاد المؤتمر بالخلطة التي جاء بها، بقصد أن تتمثل في المؤتمر كل القوى والأطياف والاتجاهات، ما زاد من صعوبة الوصول إلى الحلول المبتغاة، لكنها ضرورية إذا ما أريد للمؤتمر أن يحقق بعض أغراضه . وقد أعطيت للمتحاورين فترة ستة أشهر للوصول إلى “حلول توافقية” عبر “تنازلات متبادلة مؤلمة”، في أجواء اعترفت فيها كل الأطراف بأنها قررت الانخراط في الحوار لأنه لم يكن أمامها سواه سبيلاً .
وإذا كان الرئيس هادي رأى في عقد المؤتمر “محطة مفصلية” في تاريخ اليمن، وأنه ليس من خيار أمامه “سوى خيار واحد هو خيار النجاح والنجاح فقط”، فإن ممثل الأمين العام للأمم المتحدة، راعية المؤتمر، جمال ابن عمر، رأى فيه “فرصة تاريخية حقيقية” أمام اليمنيين لحل خلافاتهم، منبهاً إلى أنه “ليست لدينا وصفات جاهزة لحل القضايا التي ستناقش في المؤتمر، ونراهن على قدراتكم . . .” . والقضايا المطروحة للنقاش كثيرة، قضيتا جنوب اليمن وصعدة، ثم المصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية، وبناء الدولة المدنية، والتنمية المستدامة وصياغة الدستور هي بعض منها، إلى جانب ما لم يكتمل من المرحلة الأولى من “المبادرة الخليجية” مثل هيكلة الجيش . وليس من الصعب تلمس ما في بعض هذه القضايا من “تناقض”، كمثال على ذلك التناقض بين “العدالة الانتقالية” وعدم محاسبة أركان النظام السابق الذي أعطى أكبر حصة من الممثلين في المؤتمر .
في كل الأحوال، يأتي اعتراف اليمنيين بالوضع المعقد في بلدهم، وصعوبة القضايا التي يريدون حلها، ثم الاعتراف بأن الحوار هو السبيل الوحيد لمقاربة هذا الوضع، وأخيراً التأكيد على أن “الحلول التوافقية والتنازلات المؤلمة” هي الوصفة القابلة للتطبيق بعيداً عن الحل العسكري، كلها اعترافات بقدر ما تخلق المخاوف مما سيواجهه المؤتمر من عقبات، بقدر ما يحمل مؤشراً على أن هناك “نية” للوصول إلى “التوافق” المطلوب، شرط أن تكون جميع الأطراف مخلصة . وكان لافتاً أن حذر الرئيس اليمني عبده منصور هادي المتحاورين من أنهم إن لم “يتوافقوا” على الحلول، فإنهم بذلك سيتركون مستقبل اليمن للحلول الخارجية .
والحقيقة أنه صحيح كما يرى “شباب الثورة” في اليمن، من أن عقد مؤتمر الحوار الوطني لم يكن ليتحقق لولا دماؤهم وتضحياتهم (رغم احتجاجهم على تمثيل من تلطخت أيديهم بدماء شباب الثورة)، وصحيح كما طالب الرئيس هادي المتحاورين بضرورة التوافق على الحلول حتى لا تأتي من الخارج، إلا أنه لا يغيب عن الذهن أن هذا (الخارج) كان وما زال وسيظل، بشكل أو آخر، المرجعية الحقيقية لهذا المؤتمر الذي كان الجزء ربما الأهم في “المبادرة الخليجية” التي أيدها “المجتمع الدولي” وترعاها الأمم المتحدة . ويمكن أن يضاف إلى هذا الخارج (خارج) آخر لم يكن ظاهراً في “المبادرة الخليجية”، ولم يظهر بشكل مباشر في مؤتمر الحوار .
وإذا كان لا يجوز أن تكون القضايا المطروحة داخلية ثم تأتي الحلول خارجية، فإن هذه الأخيرة لا تظهر إلا عندما يعجز (الداخل) عن الوصول إلى التفاهم فيستنجد بالخارج، أو يفسح في المجال لتدخله . ولو استطاع اليمنيون أن يصلوا إلى تفاهم فيما بينهم قبل أن تظهر الحاجة إلى “المبادرة الخليجية”، وقبل أن تفتح السبل أمام “المجتمع الدولي” ليتدخل، لما وصلت الأمور إلى ما وصلت إليه . وإذا كان الرئيس اليمني اليوم يدعو إلى حل “بنكهة يمنية”، فإنه بذلك يعترف ضمناً بأن الحلول في النهاية لن تكون بعيدة عن (الخارج)، خصوصاً أن القضايا المطلوب حلها تتعلق بمسائل التنمية ومساعدات المانحين، وبمصالح دول كثيرة في اليمن والمنطقة .
لذلك لم يكن مفر من “مساعدة” الخارج، القريب والبعيد، لمواجهة الوضع المعقد في اليمن، ولكن يبقى فرق كبير بين “المساعدة” وفرض الحلول . إن الموقع الجيوسياسي لليمن لا يدع الدول صاحبة المصلحة تقف متفرجة، وكل منها لها مصلحة في دفع الأمور في اتجاه معين، وهو ما ينفي “حيادية” هذه الدول في الصراع الداخلي . وإذا كان وضع اليمنيين قد سمح لكل هذه الدول أن تدافع عن مصالحها، فإنه يتوجب على اليمنيين أن يعوا مصالحهم أيضاً، وأن يتفقوا على موقف “الحد الأدنى” في الدفاع عن هذه المصالح . إن المطالبين بانفصال الجنوب، مثلاً، لا يتخذون هذا الموقف حتى الآن، وكذلك الذين يصرون على عدم الاعتراف بالمظالم التي لحقت بأبناء الجنوب وضرورة تصويب المواقف الخاطئة التي اتخذت إزاءهم . والشيء نفسه يمكن أن يقال عن صعدة أيضاً .
كذلك من الواضح أنه لن يكون ممكناً إتمام المصالحة الوطنية من دون محاسبة الذين تسببوا في تقسيم الشعب اليمني من أجل سلبه ونهب مقدراته وتجاهل حقوقه . وإذا كانت “المصالحة” تعني عدم المحاسبة، فإن ذلك يسد الباب أمام الإصلاح، لتبقى قواعد الفساد أساساً لمحاصصة جديدة في نهب النفوذ والمال العام، وهو ما لن يترك مجالاً لا لدستور، ولا لعقد اجتماعي جديد، ولا لبناء دولة مدنية حديثة، كما يطالب الرئيس هادي المتحاورين بتحقيقه .
صحيح أن الوضع معقد، وصحيح أن المتحاورين لا يملكون عصى سحرية، وصحيح أن لا أحد ينتظر المعجزات، لكن لكل حلم بداية حقيقية، وإلا فالوهم هو الحصاد المر .